كان من المفترض أن نتعلم من دروس الحرب على العراق، وذاك هو الغرض من لجنة تحقيق "شيلكوت" البريطانية، لكن المؤشرات القادمة من منطقة الشرق الأوسط تدل على أن الحرب يمكن أن تقع مرة أخرى، فالولايات المتحدة كما كشف مسؤولون رسميون الأسبوع الفائت تصعد عسكرياً في الخليج، فهي تعزز وجودها البحري هناك، كما أنها توفر نظم أسلحة جديدة إلى الدول العربية الحليفة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.
والهدف هو بالطبع إيران، فالكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين كلها ستتسلم بطاريات صواريخ باتريوت، أما في المملكة العربية السعودية فإن واشنطن ترعى ثلاثين ألف جندي لحماية المنشآت النفطية والموانئ هناك.
الإمارات وحدها اشترت ثمانين طائرة مقاتلة من طراز F16 والتي يدعي الجنرال بترايوس، قائد القوات الأمريكية، بأنها قادرة الآن على "تدمير كامل القوات الجوية الإيرانية".
الولايات المتحدة تصر على أن هذا التسلح المتزايد إنما هو لأغراض دفاعية، تهدف الى ردع إيران وتهدئة إسرائيل وإلى طمأنة حلفائها في المنطقة، إلا أن التحول في السياسة الأمريكية جلي، فباراك أوباما كان قد حذر الأسبوع الماضي من أن إيران ستواجه "عواقب متزايدة" لعدم وقفها لبرنامجها النووي، رابطاً هذا البرنامج مع كوريا الشمالية كما فعل سلفه جورج بوش، في خطابه عن "محور الشر" في عام 2002.
وعندما جدد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الأسبوع الماضي الإعلان عن قبول إيران اتفاقاً لشحن معظم احتياجاتها من اليورانيوم المخصب لإعادة معالجته في الخارج، كان موقف الولايات المتحدة رافضاً. و"اليد الممدودة" لأوباما، والتي كانت دائماً مصحوبة بالتهديد بفرض العقوبات، أو ما هو أسوأ، يبدو أنه قد تم سحبها.
أما نائب الرئيس الأميركي جو بايدن فكان قد أكد أنه من خلال إصرار قادة إيران فإنهم "يبذرون بذور دمارهم".
وفي إسرائيل التي كانت قد تعهدت باتخاذ كافة الإجراءات الضرورية لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، فإن التهديدات بالحرب ضد حلفاء إيران كحزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية، آخذة في التزايد، حيث أعلن الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز اليوم الثلاثاء الماضي "بأننا يجب أن نجند العالم كله لمحاربة أحمدي نجاد".
نحن نسمع الآن أصداء من الاستعدادات لاحتلال العراق بشكل لا يدعو للشك. تماما كما قيل لنا في أذار 2002، بأن هناك دولة ديكتاتورية في الشرق الأوسط تقوم سراً بتطوير أسلحة للدمار الشامل، وتتحدى قرارات الأمم المتحدة، وتعرقل عمليات التفتيش، كما وتهدد جيرانها، وتدعم الإرهاب.
كما في حالة العراق، لم تقدم أية أدلة تدعم إدعاءات وجود أسلحة الدمار الشامل، على الرغم من تسريبات وهمية حول البرامج السرية التي تتكرر بانتظام في الصحف الرئيسية.
وفي الآونة الأخيرة، قال مسئول في وكالة الاستخبارات المركزية ان أجهزة الاستخبارات الأميركية تعتقد أن الوثائق التي نشرت في صحيفة نيويورك تايمز والتي ترمي لإظهار أن إيران تخطط لتجربة على "محفز النيوترون" لصنع سلاح ذري، كانت مزورة.
تماماً كمحاولات شراء العراق لليورانيوم من النيجر والتي لم يكن لها أساس من الصحة. وإن كان وجه الشبه قد غاب عن ذهن أحد ما، فإن توني بلير قد أوضحه جلياً في تحقيق حرب العراق يوم الجمعة الماضي. فبدل من أن يعبر عن ندمه لسفك الدماء والذي ساهم في إطلاقه على الشعب العراقي، جعل رئيس الوزراء البريطاني السابق ما كان يفترض ان يكون استجواباً له، منبراً للحرب على إيران.
وحاول بلير في استعراض يبدو أنه قد جاءه في الوقت المناسب لإثبات أن المحافظين الجدد موجودون وحاضرون في لندن، أن يستخدم حقيقة أن العراق لم يمتلك أسلحة الدمار الشامل كتبرير لاتخاذ نفس النهج ضد إيران. فقد تبين أن النوايا والاحتمالات كانت كافية لتبرير الحرب. وبذكره لإيران ثمان وخمسين مرة في كلمته، أوضح بلير أن الحاجة إلى "التعامل" مع إيران تثير "أمور مشابهة جداً لتلك التي نناقشها".
قد يتبادر إلى الذهن أن رجلاً يعتقد 37 ٪ من البريطانيين أنه يجب أن يقدم للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب، فإن أرائه مصيرها الازدراء فحسب. ولكن بلير لا يزال مبعوث اللجنة الرباعية في الشرق الأوسط (الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا) على الرغم من أنه يكسب مليون جنيه استرليني سنويا من صندوق استثمار في الإمارات العربية المتحدة يتفاوض حالياً على حصة من الأرباح من استغلال احتياطيات النفط العراقي.
وليس بلير وحده من يضغط في قضية الحرب على إيران. فرائد آخر من المحافظين الجدد في عهد بوش، دانيال بايبس، كان قد كتب الأسبوع الماضي أن الطريق الوحيد لأوباما لإنقاذ رئاسته هو "قصف إيران" وتدمير "قدراتها النووية"، الأمر الذي قد ستتبعه قليلاً من النتائج السياسية المزعجة أو الخسائر البشرية على الولايات المتحدة. ولكن الواقع هو أن مثل هذا الهجوم سيكون على الأرجح أكثر تدميراً من العدوان على العراق. فإيران لديها القدرة على الانتقام المسلح، سواء بصورة مباشرة أو عبر حلفائها في المنطقة، وهذا الرد لن يبتلع المنطقة فحسب، بل سيوقف 20 ٪ من إمدادات النفط العالمية والتي يتم شحنها عبر مضيق هرمز. كما أنه بالتأكيد سيكون نكسة لقضية التغير التدريجي في إيران.
إن إيران دولة مستبدة ومقسمة، وتقوم حالياً بتضييق الخناق بشدة على المعارضة فيها.
ولكنها ليست كدكتاتورية صدام حسين، وعلى العكس من العراق وإسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا فإن إيران لم تغزو أو تحتل أراضي أي بلد، بل لديها على حدودها قوات بلدين معاديين ومسلحين نوويا.
وبالنسبة لجميع خطب أحمدي نجاد المثيرة، فإن أميركا وإسرائيل النوويتان هما من تريدان شن الهجوم على إيران، وليس العكس. حتى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، والوكالة الدولية للطاقة ، لم تجدان أية أدلة على مسعى إيران لامتلاك الأسلحة النووية، في حين أن تقديرات الاستخبارات الوطنية للولايات المتحدة نفسها وجدت أن العمل المفترض على برنامج الأسلحة قد توقف في عام 2003.
طبعاً على الرغم من إمكانية تغير هذا الأمر وفق المناخ الجديد السائد. لكن القيادة الإيرانية تصر منذ فترة طويلة أنها لا تريد أسلحة نووية، مع أن الكثيرون يظنون أنها ربما تحاول أن تصبح على عتبة القوة النووية، بحيث تصبح قادرة على إنتاج أسلحة إذا ما تعرضت للتهديد.
وبالنظر إلى التاريخ الحديث للمنطقة، لن يكون ذلك مفاجئاً أبداً. وبالنسبة لحكومة الولايات المتحدة، كما في عهد إدارة بوش، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في قوة ايران المستقلة في المنطقة الأكثر حساسية في العالم والتي تعاظمت بعد حرب العراق.
الإشارات القادمة من واشنطن متضاربة، فرئيس الاستخبارات الوطنية الأميركية كان قد صرح ضمناً يوم الثلاثاء الماضي أنه لا يوجد شيء يمكن للولايات المتحدة أن تفعله لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية إذا ما اختارت الأخيرة فعل ذلك.
ولعل وجود حشود عسكرية في الخليج هو مجرد صليل سلاح. أما الخيار الأفضل فهو بشكل واضح تغيير النظام، لا الحرب. ولكن من غير المرجح لإسرائيل أن تساير الأمر إن فشل هذا الخيار، والمخاطر التي ستترتب على الولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك بريطانيا، إذا ما جُرّوا إلى تداعيات أي هجوم ستكون مرتفعة.
وكما اكتشفنا في حالة العراق، فإن وجهات نظر أشخاص متشددين مثل بلير وبايبس يمكن ان تصبح هي السائدة. لذا، إن أردنا أن نتجنب تكرار تلك الكارثة، فإن الضغط لمنع نشوب الحرب مع إيران يجب أن يبدأ من الآن.